تحليل نص شعري بعنوان"في الليل ..."للشاعر بدر شاكر السياب من انجاز :الحسين أعزاب - ثانوية طه حسين بالقاء نظرة عامة على النص ،موضوع المقاربة والتحليل ،يتبين أنه جديد في شكله الهندسي اذ جاء مخالفا للشكل العمودي (صدر -عجز )ولنظام المقاطع المتنوعة القوافي والروي ،وجاء عكس ذلك ،مبنيا على نظام الأسطر المتفاوتة الطول ،التي يتضمن بعضها البعض في تداخل وتماسك.ويسمى هذا النمط الشعري "الشعر الحر " أو"شعر التفعيلة ".وقد كانت بداية هذه الكتابة الشعرية سنة 1947 بالعراق على يد الشاعرة نازك الملائكة من خلال قصيدتها "الكوليرا" و الشاعر السياب بقصيدته "هل كان حبا " ونظم على هذه الطريقة الجديدة كثير من الشعراء في كثير من البلدان العربية كالبياتي من العراق و صلاح عبد الصبور من مصر ،وأدونيس من سوريا ،وخليل حاوي من لبنان و درويش من فلسطين و المجاطي من المغرب ..وقد كان هذا النمط الشعري استجابة لعدة عوامل وأسباب منها النكبة والنكسة و المد الاشتراكي ، وحركات التحرر الوطنية والقومية ، والانفتاح على الثقافات الكونية .والنص ، قيد الدرس والتحليل ، من توقيع الشاعر بدر شاكر السياب ،شاعر عراقي من رواد هذه الحركة الشعرية ،ولد بالبصرة عام 1926،اشتغل بالتعليم والصحافة واطلع على الأداب الغربية وخاصة الانجليزية .أصيب بمرض عضال ألزمه الفراش في الفترة الأخيرة من حياته ما بين 1960و 1964 ،توفي بالكويت سنة 1964، مخلفا وراءه مجموعة من الدواوين الشعرية ، نذكر منها "أزهار ذابلة "-"أساطير "-"حفار القبور "-"المومس العمياء"-"انشودة المطر"-"منزل الأقنان ".. والنص القرائي ،مأخوذ من "ديوان السياب"-دار العودة ،بيروت 1971،ص608،تحت عنوان جاء مركبا من حرف يحمل معنى "الظرفية " وهو(في) واسم معرف ب"ال" يفيد الزمان ،وهو (الليل) ودلالة هذا العنوان غير مكتملة لعدم افادتها الخبر وهو "ماذا حدث في الليل ؟".والنص هو الذي يكمل دلالة العنوان المنقوصة ،ومن ثمة يتبين الارتباط التركيبي و المعنوي القائم بين العتبة والخطاب أو بين النص وعنوانه .فما الذي حصل في الزمن الليلي المعلن في العنوان؟والى أي حد نجح السياب في ارساء دعائم القصيدة الحرة في شكلها وسؤالها؟وما مظاهر تكسير بنية القصيدة التقليدية ؟ يتكون النص ،قيد التحليل ،من 34 سطرا ،تشكل عالمه الدلالي العام الذي مداره "رصدحكاية الشاعر مع الموت "في غرفة معزولة من غرف المصحة التي كان يتابع فيها العلاج .وعن هذا الموضوع،انقسم النص الى مجموعة من المشاهد،يضيء كل مشهد منها جانبا من جوانب تجربة الشاعر مع الموت.نقوم بحصر هذه المشاهد ،ونعطي لكل مشهد عنوانا مناسبا يلخص مضمونه . -المشهد الأول :(1-8)عزلة الشاعر في غرفته الموصدة بالمصحة . -المشهد الثاني :(9-12)همس الثياب المعلقة- التي تمثل خيال الأم- للشاعر الفرار من الموت المتربص به في الغرفة . -المشهد الثالث :(13-21)استجابة الشاعر للدعوة وخروجه ليلا لملاقاة امه في المقبرة . -المشهد الرابع(22-34)دعوة الأم ولدها(الشاعر) للعيش بجوارها في عالم المقبرة . يتبين جليا من خلال رصد مكونات النص ومشاهده الظاهرة أنه يدور- دلاليا-حول موضوع وجودي مخيف هو الموت وما يثيره من قلق وأرق . في المشهد الأول يظهر الشاعر محاصرا بالموت في غرفة موصدة ،حيث الصمت العميق ،والخوف المطبق ،والثياب السوداء المرعبة ..ولا أحد معه يؤنسه غير هواجس الموت .وفي المشهد الثاني ،نجد هذه الهواجس تقود الشاعر الى اللوذ بلعبة المجاز بجعل ثيابه المفزعة التي تجسد الأم ،تهمس له بالهروب من هذا المكان الذي يقبع الموت فيه في كل مكان .وبالخيال أو الوهم يفر الشاعر من هذا الفضاء المغلق ،البارد،الصامت والمخيف .وفي المشهد الثالث يتحدد المكان الذي احتمى به الشاعر من الموت ،واستبدل به الغرفة الموصدة ،وهو المقبرة ،من أجل ملاقاة أمه كي تمنحه الدفء والحنان المفقود .وينتهي النص بحلم الشاعر بلقاء أمه خارج جدران الغرفة لتحضنه ،وتضمه وتدفع عنه معاناة الموت . واذا كان شعر السياب ،كما هو ظاهر في النص المقروء ،جديدا في شكله وموضوعه ،فلابد أن يكون كذلك في عدته المعجمية والتركيبية والايقاعية ..وذلك تبعا لمبدأالعلاقة الطبيعية الموجودة بين الدال والمدلول .فكل مدلول جديد ،يستدعي دالا جديدا.فعلى مستوى الشكل الخارجي ،قام النص على نظام الأسطر المتفاوتة الطول ،التي كسر فيها الشاعر نظام الشطرين المتوازيين (الصدر -العجز)وكسر وحدة القافية والروي ،وكسر أيضا نظام الأسطر المتساوية .وعلى مستوى المعجم ،نجد الشاعر قد حاد عن دلالة الألفاظ المألوفة ،بمنحها دلالة جديدة منسجمة مع الرؤية الشعرية ،ومتناغمة مع عالم الذات .فكل لفظ لا يفهم الامن خلال سياقه الخاص ،وتنثوي في النص مجموعة من الحقول الدلالية ،تلتقي جميعهاعند ثنائية ضدية وهي ثنائية :الموت -الحياة .وكل مافي النص من تيمات دلالية أخرى ،تبقى مرتبطة بهذه الثنائية العامة .فالموت يتبدى في النص نقيض حياة الشاعر وضد وجوده .ومن عناصره في النص :(الليل-الغرفة-الباب الموصد-الصمت العميق-الثياب السوداء..)والحياة هي المعادل الموضوعي للذات،وهي رغبتها المنشودة المتوخاة ،ومن عناصرها في النص:(الوهم-الأم-الأرض-المقبرة-الماء-الخروب-الثياب ...) وكلها عناصر تشكل الحقل العاملي المساعد للذات للانفلات من قبضة الموت. وبانتقالناالى المستوىالتركيبي -الأسلوبي ،نجدالنص متراوحا بين الجمل الأسمية التي تفيد الثبوت والاستقرار ،من ذلك قوله :(الغرفة موصدة-الصمت عميق-ستائر شباكي مرخاة ...)وتمثل عالم أحوال الشاعر الثابتة على المرض وفقدان الأمل .وبين الجمل الفعلية التي تفيد الحركة والتحول ،من ذلك قوله:(لبست ثيابي -سريت -ستلقاني أمي -ستقول ...)ومعظمها في المضارع الذي يستغرق دلالة مستقبلية ،وتمثل عالم محاولة الذات الخلاص من الموت .ومن الناحية البلاغية ،نلاحظ هيمنة الأسلوب الخبري على الأنشائي،ومرد ذلك الى أن مقصدية الخطاب هي الاخبار وافادة المتلقي بمعلومات تخص معاناة الذات من جراء قسوة المرض .يشكل الانشاء الاستثناء في النص ،اذ لم يتجاوز الاستفهام في قوله :(أتقتحم الليلة ؟-وأتاكل من زادي. والأمر في قوله:ألبس من كفني -تعال -نم عندي.وعلى مستوى الصور الشعرية ،نجد أن كل سطر لا يخلو من التعبير بالصورة لأنه الصيغة الأنسب للتشخيص والتجسيد لمعاناة الشاعر.ومن الصور الشعرية الواردة في النص ،نكتفي بمايلي : -الصمت عميق :تشبيه صمت الغرفة بالبحر العميق ،مع حذف المشبه به (البحر)و الاحتفاظ بأحد لوازمه الدال عليه (عميق)ومن ثمة فالصورة اعتمدت على عنصر الاستعارة المكنية ،القائمة على تشبيه المحسوس (البحر)بالمعنوي (الصمت) لتجسيد دلالةرعب الصمت بواسطة صورة مركبة ،ذات وظيفة تأثيرية. -أثوابي كمفزع بستان :تشبيه مجمل حضرت عناصره الثلاثة :المشبه (الأثواب)والمشبه به(مفزع بستان)والأداة (الكاف)،وحذف وجه الشبه الذي يمكن استخلاصه من السياق وهو أن الطرفين يشتركان في صفة واحدة هي (الافزاع والتخويف)فالثياب السوداء تفزع الشاعر في غرفته ليلا مثلما يخيف مفزع البستان الطيور الضارة بثماره. وبما أن طرفي التشبيه (الثياب -المفزع )محسوسان ،فالصورة مفردة ،تجسيدية ذات وظيفة نفسية تخييلية. -القبرة الثكلى :لا يمكن على وجه الحقيقة وصف المقبرة بالثكلى ،نقول :امرأة ثكلى ،وهي التي رزئت في أحد أبنائها ،لكن المقبرة ليست أمرأة ،ومن ثمة فوصفها بالثكلى من قبيل المجاز المرسل ،علاقته المحلية ،فقد استعملت المقبرة والمراد الأم المدفونة بها . وعلى مستوى الايقاع الخارجي ،نجد الشاعر بنى قصيدته على وزن بحر "المتدارك"القائم على التفعيلات الأصلية الأتية :فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن. وقد اعتمد الشاعر تفعيلة "فاعلن "ووزعها بأعداد متفاوتة على الأسطر الشعرية ،وهو ما جعلها تتفاوت طولا وقصرا ،وبذلك يكون الشاعر قد كسر البنية الايقاعية التقليدية ،نبين ذلك من خلال التقطيع العروضي للأسطر الشعرية الأربعة الأولى : -الغرفة موصدة الباب -والصمت عميق -وستائر شباكي مرخاة -رب طريق السطر الأول :يتكون من أربع تفعيلات ،انزحفت فيها (فاعلن )بالنقص،فجاءت على الشكل التالي :فاعل فعلن-فعلن-فاعل. السطر الثاني :يتكون من تفعيلتين ،الأولى انزحفت بالنقص والثانية بالزيادة (فاعلان) السطر الثالث :من أرع تفعيلات ونصف تفعيلة ،لحقها زحاف بالنقص :فعلن-فعلن-فاعل-فاعل-فا السطر الرابع :من :عل-فاعلان. وهناك ايقاع القافية التي تظهر وتختفي ،وهي مردفة في :عميق -طريق -تفيق...وموصولة بحرف اللين المشبع لحركة حرف "الروي"في :الكابي -الصادي -زادي...وقد كان شعر السياب جسر عبور نحو غياب القافية نهائيا في حركة شعر تجديد الرؤيا. واستمد النص ايقاعه الداخلي من التكرارات الواردة فيه :من ذلك تكرار حرف المد (الألف)عدة مرات في كل سطر ،وتكرار حرف الراء في :(غرفة-مرخاة-رب...)وتكرار ياء المتكلم في (شباكي -لي -بي -أثوابي...)وتكرار الجملة الواحدة (الصمت عميق في السطر2 والسطر 19و(الغرفة موصدة في 1و12)و(ستلقاني أمي في السطر14و34).كما استمد النص ايقاعه الداخلي كذلك من جملة من التوازيات ،كالتوازي التركيبي في قوله : يتنصت لي يتربص بي حيث وازى الشاعر بين فعل ينتصت و فعل يتربص،وقابل بين لي وبين بي .ويمتح النص ايقاعه الداخلي من كثرة ورود حروف المد في (الثكلى -الليلا -الكابي -الزادي -الصادي -كفني...) والخلاصة التي تنتهي عندها هذه المقاربة هي أن النص المقروء جديد ومغاير في شكله للقصيدة الشطرية العمودية (الصدر -العجز)وقد كسر فيها السياب قواعد وبنود الشعر العربي التقليدي. من جهة الشكل : كسر الشاعر نظام الشطرين ،وكسر وحدة القافية والروي ،وكسر كذلك وحدة البيت بجعل الأسطر تمتد دلاليا ونحويا وايقاعيا فيما بينها.وينبغي أن نضيف أنه خرق أيضا نظام الأسطر المتساوية التي جاء بها شعر سؤال الذات. ومن جهة المضمون :حاد الشاعر عن الموضوعات التقليدية ،وانصب اهتمامه على المشاكل الوجودية والأنطولوجية في سبر أغوار الذات الانسانية .ويبقى أن نشير الى أن النص برغم خروجه شكليا ومضمونيا على كثير من ضوابط الشعر الاحيائي والوجداني ،فانه ما انفك مشدودا الى نهج القصيدة التقليدية .ومن تجليات هذا الانشداد ،اعتماد التفعيلة الواحدة والوزن الواحد رغم تعدد المقاطع ،ومنها أيضا جعل القافية لا تختفي نهائيا .ومرد ذلك الى أن شعر السياب ما يزال في مرحلته التأسيسية ،وسيكتمل هذا الخطاب الشعري جماليا ورؤيويا مع حركة شعر الرؤيا.
|