مرابط الساحل ما الذي حول سواد تلك الليلة إلى بياض ؟ سؤال لم يتوقف، ولو للحظة، عن ترديده لفترة قاربت عقدين من الزمن . برق البرق في سمائه، وأشرق كما أشرقت فاس على كف عبدالفتاح في "زهرة الآس". هكذا . في لحظة ما كانت من القصر ، حتى أنه أمضى العقدين وهو يلملم أجزاءها، إلى أن استوت، وحتى خالها سحابة امتدت وطالت واستطالت وتسلطنت وتفرعنت. ما كان لأحد أن يصدق ما اعتبره رؤيا، وما رآه غيره توهما وتخيلا. زاره طيف "المرابط" في إحدى خلواته، إذ كان قد نذر بعض زمنه ذاك ، لطوق صبار الاعتكاف ما بين العشاءين، لشهر أو أقله، فانتبذ لنفسه ركنا قصيا في دغل قريب من عين "مولاي إدريس" ، كان يقضي فيه ما وسعه الوسع من أوقاته ، فراودته، ذات أمسية، وشفق المغيب أهل، فكرة الاقتراب من مرجة محاذية ، تفصل ما بين المقبرة العتيقة والعين . دنا بتؤدة يبغي الاستطلاع، فانفرط عقد جراب جدته ، وقد حملته إياه وهو بعد صبي، واندلقت حكاياته،عن المقام . تسمرت ، عند إحداها، قدماه، وأبتا مطاوعته عن الحركة . أخذ المكان يطوف كما طافت فاس في كف عبد الفتاح بالتمام والكمال. ذكر نفسه ولم تنفعها الذكرى؛ أن زمن "المليليين" أسبق من زمن صاحب "الزهرة"، فكيف أمكن له خلط الأزمنة، وخرق أركان التشبيه. ها هو يعود في زمنه لعقدين. استحكمت بحيرته الحيرة، وألفى نفسه غير قادر على الفرز والتصنيف والتمييز؛ الجراب الذي يرشح بسيرة رجل هو أقرب إلى "هذا الأندلسي"، ونسابة المليليين؛ كل يذهب مذهبه في الأصول والفروع . والمتفق عليه بين الفرقاء والمتخاصمين، هو خط سير الأصول، من "مليلة" إلى "أركمان"، ومن "أركمان" إلى الوادي ، ومن الوادي إلى "البرج"، والاستقرار النهائي قرب "جبارة" على الضفة اليسرى لملوية. لكن ما علاقة كل هذا بما هو فيه ؟ المقام مقام خلوة ، وليس مقام وجع الرأس، وهموم بلاد الخنادق. وهو فيما هو فيه، إذ انجلت الظلمة الخفيفة عن فارس، ما رأت عيناه مثيلا له، إلا ما سمعه عن فرسان "بني يزناسن" زمن الأحلاف. مرق الفارس أمامه مروق البرق الخاطف، وكأنه ما سمع وما رأى،أو كأن الفرس ما لامست الأرض، والبرنس ما أحدث رفرفة. تقول إحدى رشحات الجراب؛ إن المرابط استمر يحرس الساحل، بعد أن اختفى عن الأنظار بسبب طاعون ضرب البلاد، أو بسبب حملة مخزنية على العباد. ويروي بعض أخباريي الخنادق أن ظهوره في بعض الأوقات له صلة بأخطار تهدد الساحل، ويؤكد بعضهم أن الأضواء التي تلمع عند "رأس سيذي البشير"، في بعض الليالي، هي لأسطوله الخفي يعترض به أساطيل أعداء مفترضين. كان ذلك قبل عقدين من زمن منفلت؛ تارة يصير برهة، وطورا يصير أياما أخر ، لا هي أيامي ولا هي أيام من نذر بعضها ؛ تقول شهرا أو أقله ، لصبار اعتكاف لم يجن منه سوى انخطاف ، وفقدان عقل ودنيا ودين. |